الشيخ الأميني

100

الغدير

لها الناس في الطريق يقولون : يا أم المؤمنين ! ما الذي أخرجك من بيتك ؟ فلما أكثروا عليها تكلمت بلسان طلق وكانت من أبلغ الناس فحمدت الله وأثنت عليه ثم قالت : أيها الناس والله ما بلغ من ذنب عثمان أن يستحل دمه ( 1 ) ولقد قتل مظلوما ، غضبنا لكم من السوط والعصا ولا نغضب لعثمان من القتل ، وإن من الرأي أن تنظروا إلى قتلة عثمان فيقتلوا به ثم يرد هذا الأمر شورى على ما جعله عمر بن الخطاب . فمن قائل يقول : صدقت . وآخر يقول : كذبت . فلم يبرح الناس يقولون ذلك حتى ضرب بعضهم وجوه بعض فبينما هم كذلك أتاهم رجل من أشراف البصرة بكتاب كان كتبه طلحة في التأليب على قتل عثمان . فقال لطلحة : هل تعرف هذا الكتاب ؟ قال نعم . قال : فما ردك على ما كنت عليه ، وكنت أمس تكتب إلينا تؤلبنا على قتل عثمان وأنت اليوم تدعونا إلى الطلب بدمه ؟ وقد زعمتما أن عليا دعاكما إلى أن تكون البيعة لكما قبله إذ كنتما أسن منه فأبيتما إلا أن تقد ماه لقرابته وسابقته فبايعتماه ، فكيف تنكثان بيعتكما بعد الذي عرض عليكما ؟ قال طلحة : دعانا إلى البيعة بعد أن اغتصبها وبايعه الناس ، فعلمنا حين عرض علينا أنه غير فاعل ولو فعل أبى ذلك المهاجرون والأنصار ، وخفنا أن نرد بيعته فنقتل فبايعناه كارهين ، قال : فما بدا لكما في عثمان ؟ قال : ذكرنا ما كان من طعننا عليه وخذلاننا إياه ، فلم نجد من ذلك مخرجا إلا الطلب بدمه . قال : ما تأمراني به ؟ قال : بايعنا على قتال علي ونقض بيعته ، قال : أرأيتما إن أتانا بعدكما من يدعونا إليه ما نصنع ؟ قالا : لا تبايعه . قال ما أنصفتما أتأمراني أن أقاتل عليا وأنقض بيعته وهي في أعناقكما وتنهاني عن بيعة من لا بيعة له عليكما ؟ أما إننا قد بايعنا عليا ، فإن شئتما بايعناكما بيسار أيدينا . قال : ثم تفرق الناس فصارت فرقة مع عثمان بن حنيف ، وفرقة مع طلحة والزبير . ثم جاء جارية بن قدامة فقال : يا أم المؤمنين ! لقتل عثمان كان أهون علينا من خروجك من بيتك على هذا الجمل الملعون ، إنه كانت لك من الله حرمة وستر ، فهتكت سترك ، وأبحت حرمتك ، إنه من رأى قتالك ، فقد رأى قتلك ، فإن كنت يا أم المؤمنين ! أتيتينا طائعة ؟ فارجعي إلى منزلك ، وإن كنت أتيتينا مستكرهة ؟ فاستعتبي ( 2 ) .

--> ( 1 ) أتى هذا المحال والتمحل من قوارصها التي مرت في ص 77 - 85 . ( 2 ) الإمامة والسياسية 1 : 60 .